عباس حسن
86
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
على الزمان « 1 » ، كحينئذ ، ويومئذ . . . ففي هذه الحالة لا يكون ظرفا « 2 » ، ولا يكون في محل نصب ؛ وإنما يكون مبنيّا في محل جرّ ؛ مضافا إليه . فأمره مقصور إما على البناء في محل نصب على الظرفية ، وإما على البناء في محل جر بالإضافة ، ولا محل له - عند كثرة النحاة - إلا أحد هذين ؛ فلا يكون مفعولا به ، ولا بدلا ، ولا غيرهما . وأما قوله تعالى : « وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ . . . » وقوله تعالى : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا » فإن « إذ » ظرف لمفعول به ، محذوف ، وليست مفعولا به في الآية الأولى ولا بدلا في الآية الثانية . فالتقدير : واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ أنتم قليل . . . - واذكر قصّة مريم إذ انتبذت . . . ( أي : ابتعدت واعتزلت الناس . . . ) لأن المعنى على ظرفية المفعول به المحذوف ، لا على مجرد المفعولية الأخرى ؛ أو : البدلية . . . فالمراد : اذكروا النعمة التي نالتكم في زمن معين ، هو زمن قلّتكم - واذكروا قصة مريم في زمن انتباذها ، وليس المراد هنا اذكروا مجرد زمن القلة ، أو : مجرد زمن الانتباذ ؛ لأن تذكر الزمن المجرد لا يفيد في تحقيق الغرض المعنوىّ المراد هنا « 3 » .
--> ( 1 ) أوضحنا - في رقم 2 من هامش ص 67 - أن الاسم الدال على الزمان يشمل ظرف الزمان ، ( وهذا ينصب على الظرفية ، ولا يخرج عنها إلا إلى شبه الظرفية ، وهو - في الغالب - : الجر بالحرف « من » ) كما يشمل كل : اسم آخر يدل على الزمان من غير ظرفية ، مثل : حين ، ولحظة . . . ( 2 ) للسبب الذي تقدم في رقم 5 من هامش ص 61 . ( 3 ) لا يوافق على هذا صاحب : « المغنى » ، وآخرون . فضربوا مثلا لكلمة « إذ » الظرفية بقوله تعالى عن النبي عليه السّلام : « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . » - وقد سبقت هذه الآية لمناسبة هامة أخرى في رقم 5 من هامش ص 80 - ول « إذ » الواقعة مفعولا به بقوله تعالى : « وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ . . . » ومثل هذا يقع كثيرا في أوائل القصص في القرآن ؛ فتكون - في رأيهم - « مفعولا به » لفعل محذوف تقديره : « اذكر » ، أو نحوه . . . كقوله تعالى : « وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ . . . » * « وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ . . . » * - « وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ . . . » ول « إذ » الواقعة « بدلا » بقوله تعالى « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ . إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا » وحجتهم في عدم إعرابها ظرفا في الآيات السالفة أن إعرابها يقتضى الأمر بالتذكر في ذلك الزمن الماضي ، مع أن الأمر للاستقبال ، وذلك الوقت قد مضى قبل توجيه الخطاب للمكلفين منا ؛ فيتعارضان ؛ وإنما المراد : تذكّر الوقت نفسه ، لا التذكر فيه . وخالفتهم الكثرة بأن وقوع « إذ » الزمانية « مفعولا » أو « بدلا » أو شيئا آخر غير الظرف والمضاف إليه - ليس مسموعا عن العرب . وطال الجدل بين الفريقين . والحق أن « إذ » قد تكون « مفعولا به » إذا كان المراد وقوع أثر العامل عليها ، لا فيها . وقد يكون -